• Subscribe to continue reading

    Subscribe to get access to the rest of this post and other subscriber-only content.

  • في الحلقة الأخيرة من مسلسل “الجنس والمدينة” بكيت كثيرًا. تحديدًا في المشهد الذي ذهب فيه مستر بيغ إلى باريس ليحاول استعادة كاري بعد ست سنوات من الركض والجروح. كانت كاري تعيش مع حبيبها الروسي، الذي اكتشفت لاحقًا أنها لم تحبه حقًا، بل أغرتها معه حياة الفانتازيا والترف. وعندما رأت بيغ، بكت لأنها في تلك اللحظة أدركت أن لا أحد يشبهه، رغم كل السنوات التي قضتها تبحث عن الحب وعن نفسها. كانت دائمًا تعود إليه, إلى الحب المألوف، الكبير، السخيف، والمؤلم، تمامًا بحجم مدينة نيويورك التي احتضنتهما وشهدت فوضاهما.

    بيغ تركها مرات كثيرة، لأنه لم يستطع تحمّل شخصيتها أو مواجهة نفسه معها. تزوّج من امرأة “أسهل” جميلة، ناجحة، تعرف ما تريد، ولا تفتعل الدراما. عكس كاري، التي لم تعرف يومًا ماذا تريد. ومع ذلك، في النهاية، أدركا أن ما بينهما كان استثنائيًا، شيئًا لا يمكن استبداله.

    يقول بعض النقّاد إن علاقة كاري وبيغ كانت سامة ومليئة بالألم، وأن الحب لا يجب أن يكون مؤلمًا. لكنني لا أرى هذا حكمًا منصفًا. لا يوجد شكل واحد للحب. فبعد عشر سنوات، تزوجا وعاشا نهايتهما السعيدة. ربما لا ينتهي الحب أبدًا، بل يتبدّل شكله. ربما يحتاج أحيانًا إلى الزمن، كي يتعرّف العاشقان على بعضهما من جديد، بشخصيات مختلفة ونضج جديد.

    النساء في مجتمعاتنا ما زلن يبحثن عن الحب الخيالي حتى يصطدمن بالواقع، وبما يفرضه عليهن المجتمع من قوالب جاهزة. أعرف أن هذا الكلام يبدو كليشيه ومستهلكا، لكن أليس هذا ما زال يحدث فعلًا؟ الحب الأسطوري ليس سوى مشاهد من فيلم رومانسي، أو بضع سنوات من الوهج قبل الاصطدام بالواقع.

    ماذا عن الرجال؟ فالرجال الأقوياء الذين خاضوا تجارب عميقة وازدادت بصيرتهم مع الزمن، يبحثون عن امرأة قوية ومستقلة، تُثريهم وتكشف لهم وجوهًا جديدة من الحياة. بينما الرجال “المتوسّطون”وهم الغالبية يريدون هذه المرأة القوية نفسها، لكن حين يشعرون بالمنافسة أو فقدان السيطرة، يظهر فيهم الجزء الذكوري المخفي. أما الرجال الأضعف… فلن أكتب عنهم بطبيعة الحال.

    لا أعرف ما هو الحب تماما، لكنني أعرف أن له أشكالًا كثيرة. كلما كبرنا ومررنا بتجارب أكثر، تغيّر تعريفنا للحب، وصارت حوله تساؤلات أكثر.
    ربما يصبح أكثر تعقيدًا من أن “تحب شخصًا فقط”، لأننا -دون أن نعترف -نبحث عن الحب كما نتخيله، لا كما هو. نهرب من أنفسنا من خلاله، وأحيانًا نبحث عن أنفسنا فيه.
    وحين نفشل في الحب، نعود إلى ذاتنا القديمة… إلى المألوف، الذي لطالما ظننا أننا تجاوزناه.
    يُقال إن الحب يُكملنا، لكن ماذا لو اكتشفنا أننا لسنا كاملين حتى مع الحب؟ربما نحن لا نبحث عمّن يُكملنا أصلًا، بل عمّن يقبلنا كما نحن، عمّن يقف معنا تحت المطر، لا ليحمل المظلّة، بل ليشاركنا البلل.

    ربما لم تكن علاقة كاري وبيغ مثالية، لكنها كانت حقيقية. والحقيقة حتى وإن كانت مؤلمة هي ما أريده دائمًا.
    في النهاية، لا أظن أن الحب وُجد ليكون مثاليًا،بل ليكشف لنا ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا.

    الحب مرآة، نرى فيها هشاشتنا وقوتنا في الوقت ذاته،نرى خوفنا من الفقد، وشغفنا بالحياة، وطفلنا القديم الذي لا يكفّ عن الحلم. وربما بعض القصص لا تنتهي حين نفترق، بل حين نفهم لماذا لم نستطع البقاء

  • حياتنا ليست سوى بحث طويل عن حب عظيم .ربما حبّ واحد لا يكفي لكل السنين، وربما الحب العظيم عند البعض هو الأبدية ذات النهاية السعيدة. وربما لا يكون عظيمًا إلا إن انتهى بألمٍ كبير، كي نتذكّر أنه كان عظيمًا حقًّا.

    غنّى الشيخ إمام للحب في أغنيته “أنا أتوب عن حبك”. قال إن كان أمل العشّاق هو القرب، أنا أملي في حبك هي الحُب. لا أستطيع سوى أن أوافق الشيخ في مخاطبته للحب. فالحب العظيم يبقى وإن غاب الحبيب، يبقى.

    هذه الأيام غريبة. لم أعش في حياتي مثل هذه الحقبة. لقد استغرق الأمر سبعة وعشرين عامًا حتى أفهم شخصيّتي الحدّية، وأدرك أنني لست مجنونة كما ظننت. كل السنوات الماضية عشت كأنني على خشبة مسرح، أراقب الجميع يؤدّي دوره بإتقان، وأنا الوحيدة التي تكتفي بالمشاهدة بصمت، ولم تحفظ النص.
    كنت أنزلق إلى داخلي، إلى عالمي الموازي. كل شيء يدور من حولي وأنا ثابتة، أراقب فقط. أحاول الاندماج وأخاف أن أختفي.

    بعد عدّة زيارات للطبيب النفسي، قال لي: “أنت مختلفة”. كنت بحاجة إلى تفسير لما يحدث في رأسي الصغير، وهذا هو ببساطة أنا مختلفة. لا أرى الأشياء كما يراها الآخرون. ارتحت قليلا من الحكم على نفسي.

    لا أعرف كيف تكون منطقة الوسط. أعرف فقط الحب الكبير والغضب العميق. أعرف السيّئ والجيد. أتقن التصنيف فقط. لا أعرف إلا أن أذوب في الآخر أو أن أغضب وأختفي.

    في علاقاتي السابقة كنت أشعر بالملل والاكتفاء سريعًا، وكأن الناس ينبغي أن يُستبدلوا. عشت قصصًا وتجارب خيالية كالأفلام، وهذا ما كنت أريده: أن أعيش فيلمًا له نهاية محدّدة. لم أبحث يومًا عن علاقات تستمر. كانت تغريني العلاقات المؤقتة، ولم يعنني كيف ستكون النهاية. نادرًا ما تأثّرت بغياب أحدهم، إذ ببساطة سيظهر شخص جديد.
    لكن في النهاية، كنت أشعر بالوحدة. اعتدت أن أبكي ليلًا حتى أنام. كنت أشعر أنني غريبة وأبحث عن شيء لا أعرفه.

    ثم جاء يومٌ تعرّفت فيه إلى أحدهم. ظننته تجربة خيالية أخرى أضيفها إلى قائمتي، لكنه لم يكن كذلك. هذه المرّة وقعت في الحب العظيم فعلًا. وجدت ما كنت أبحث عنه وطنًا جديدًا يتمثّل في بيت صغير يشاركني إياه قلب آخر. منزل نملؤه بحبّ يعادل ما يعانيه شعبنا من الألم والوحدة، وطن يحتضنني بيديه الكبيرتين.

    إن كنت محظوظًا، ستعيش الحب العظيم مرّة أو مرّتين في حياتك. أما أنا، فعشته لأوّل مرّة قبل سنتين مع هذا الإنسان. لم يكن حبًّا عاديًّا، بل كان مجنونًا، عاصفًا، كالحب المحرَّم
    الشخصية الحدّية لا تعيش حبًّا عاديًّا. حين تحبّ، تذوب وتغرق، ولن يكون بمقدورها النجاة. وأقول النجاة لأن الوقوع في الحب يعني أنني أفقد السيطرة على نفسي، وأن المخاوف ستزداد. وهذا يعني أن عليّ أن أتّبع قواعد الحب، وذلك ما أخشاه.

    أيامٌ أحبّه وكأنّه آخر يوم لنا في الحياة، وأيامٌ أخرى أكرهه وأتمنى أن أختفي. يومًا أرغب في الانتقال للعيش معه، ويومًا آخر لا أريد سوى مخيّلتي ونفسي.
    ماذا يعني أن تكون شريكًا بعد كل هذه السنين التي قضيتها مع نفسي؟ وماذا يعني أن تعيش كل هذه التقلبات في أوّل علاقة طويلة؟

    كانت هذه العلاقة آمنة في بدايتها، ومع الوقت شعرت بالثقل حتى تحوّلت إلى شيء أرغب في التخلّص منه.

    أحيانًا أفكّر أنني أحبّ الألم، بل أدمنه. حين أتألّم أشعر أنني حيّة، وكأن الألم إثبات لوجودي . في هذه الأسابيع لم أتألّم، أشعر أنني منفصلة عن الدموع وعن الألم. هل انتهت دموعي في الشهور الماضية؟ أم أن الأدوية تخفّف أصواتي الداخلية؟

    هذه الأيام أقضي إجازتي في البيت وحدي ، علبتان من بن اند جيريز ( تشانكي منكي)، مسلسل الجنس والمدينة (الجزء السادس)، والكثير من الأكل العاطفي. وأيضًا الكثير من اكتشاف الأغاني الجديدة.
    الأغاني بالنسبة لي ليست متعة فحسب. أعيش داخل الكلمات والألحان، تمامًا كما أفعل في الأفلام والمسلسلات. في هذه المرحلة أتواصل كثيرًا مع شخصية كاري برادشو. تشبهني في انفعالاتها، في غضبها، في حبّها المؤذي. وأراه أمرًا جميلًا أن ترى أجزاء منك في كلمات أغنية أو في شخصية ممثلة.

    قلتُ لصديقتي مؤخرًا إنني أعيش في فقاعة تطير. لا أعرف كيف أعود إلى الأرض لأتجذّر من جديد. لكنني سعيدة وأنا أطير. ربما لست بحاجة إلى جذور الآن.
    أصدقائي يتغيّرون في كل مرحلة من حياتي، وهذا جزء من طبيعتي: أن أختفي حين أكتفي، أو حين أجد من يلائمني أكثر. أنجذب إلى الصداقات الغريبة، الغامضة، التي تحتاج إلى تفكيك شيفرات. والأصدقاء بالنسبة إليّ يمكن أن يُستبدلوا كما الأحبّة السابقين. وهذا مؤلم وأناني. لا أعرف كيف أتقبّل الاختلافات، أو كيف لا أفقد اهتمامي بالآخرين حين أعرفهم عن قرب. وبانكشافٍ أكثر حين تنتهي مصالحي.

    قال لي هذا الحب العظيم إن شخصيّتي تتغيّر كل عدّة شهور. لم أكذب حين قلت إنني لم أكن مدركة لهذا التغيّر. ربما كان محقًّا.
    لن أجلد نفسي. أعرف أن العيش معي يشبه ركوب الأمواج مشاعري بين المدّ والجزر من دون تحذير.

    إلى هذا الحب العظيم:
    لم يحدث شيء في تلك الصورة كما كتبتُ لك. كانت إحدى نوبات الغضب التي تظهر بعد الانفصال والغيرة. لن أخون هذا الحب. وهذه المرّة في حياتي، لن يكون هناك بديل

  • الكتابة ليست ترفاً بل نجاة.

    لا أصدق انسانا لا يعترف بضعفه وألمه , ولا أثق بشخص لا يبكي على السرير ثم يضحك لأنه تعب من البكاء . شخصا لا يعترف بضعفه وانكساراته هو شخص لا يعترف بانسانيته ولا يمارسها. أحب الذين لا يخجلون من أن يكونوا بشرا, والذين يعرفون أن النقاء الحقيقي هو أن تعترف أنك غير نقي دائما . هم من يستحقون لحظات صافية من السعادة .

    في مراحل الحياة تتغير هوية الانسان ,كما تصبح البلدان بعد الثورات, اما ثابتة وقوية ومتحررة واما ضعيفة ومستهلكة , هُوية الانسان غير ثابتة كما البدان تتغيّر مع الألم , والفقد , والنجاح , والحروب والتجربة. الرؤيا تتغير ايضا , كيف نرى وماذا نريد؟ وماذا لا يناسبنا بعد الان؟ من نحنُ دون من نُحب؟ ومن نحن وحدنا؟ ماذا سنكون بعدهم؟
    لماذا أكتب عن هوية الانسان كثيرا؟ تأتي الاسئلة الوجودية بعد شهر مميت مع الألم والفقد . في ثلاثين يوما انكسر قلبي مرتين ,بكيت كثيرا من شدة الألم , لم أحتمله وطلبت أدوية لتساعدني على تخفيفه. بعد مرور هذا الوقت وأنا في خضم الألم , تأتي لحظات سعادة ولحظات حب , أصبر وأقول كل هذا سيمضي . قال لي صديق قديم عليك ان تصبري في هذه الأيام , وبأن حياتك تستحق أن تستمر وأن تكون طويلة, صديقاتي ساعدوا في شفاء قلب مكسور لم يكن هن السبب فيه , حمدا لله بأنني لم أضطر لأخذ أدوية مضادة للاكتئاب ,لأن من حولي كانوا حقيقيين وساعدوني على النجاة.

    استقلت من العمل هذا الشهر ايضا لم أكن مستعدة لوداع شيء ثابت اخر من حياتي , لكن هكذا ودعت كل الاشياء الثابتة. ثلاثة بيوت عزاء فتحت في عائلتنا ,جدتي غادرت , أختي نجحت في الثانوية العامة , أختي الثانية ستتزوج , صديقة طفولتي وبنت خالتي ستهاجر ,حبيبي خذلني وغاب , رأيت والدي حزين. في ثلاثين يوما يمكن أن يحصل الكثير لكن لم أعرف بأن الكثير يحتاج أن تروّض قلبك وجسدك على تحمّله. أنا مدركة بأنني غير قادرة على تحمل كل هذا , وأراقب كيف أتغيّر وملامحي تتغيّر . جسدي لا يحملني دائما , قبل ثلاثة أيام بعد حصة البيلاتس صعدت في السيارة وشعرت بانفصال عن المكان , كان حدث مرعب أكثر من اي شيء سبقه ,أعرف بأنه موجود لكن لم أختبره من قبل , عرفت وقتها أنني أحتاج أن اتصل على أحد ليساعدني , اتصلت على المعالجة وساعدتني على الرجوع الى الارض مرة أخرى. كان في وقت الصباح وكان التمرين شديد , جسدي لم يستطع تحمّل الوجع فلم يحملني . هذا يخيفني جدا لأنني أبني علاقة جديدة مع جسدي وأتعرف عليه بطريقة مختلفة ولا أريده أن يخونني .

    تعزّينا الأغاني والكتب والافلام والقصص التي تشاركنا التجربة الشعورية , مثلا أعظم لوحات فنية ولدت من الألم , فان كوخ صوّر الألم والصرخة في لوحاته ثم مات منتحرا , البؤساء ضحّوا في أعمارهم من أجل قطعة خبز , دوستوفيسكي حكم عليه بالاعدام وكتب عن ألم الطريق في الحصول على الحرية الفكرية , شهداء الثورات والحروب كانوا يدافعون عن الكرامة والحق. قصص الحب الدموية تنتهي بالألم والموت. كل قصص البطولة تأتي من الألم. علينا أن نعترف بأن الوجود مقرون بالألم ,وربما القصص السعيدة ايضا تأتي من الألم , شخصية الأبطال صنعها الألم . اذا وجودنا مقرون بالألم. نحن نختار معاركنا ومقدار الألم. 

    يبقى السؤال اين العدالة الاخلاقية من مقارنة الألم ؟ على بعد بضع كيلومترات الناس تموت من المجاعة والقتل , هذا الصباح فقد أحدهم أمه , من أنا لأتحدث عن الالم؟ في محادثة مع زوجة عمي التي تسكن عائلتها في غزة قالت لي بأنها تخاف أن تتصل مكالمة فيديو مع والدتها لأنها خائفة أن ترى جسدها النحيل من قلة الطعام . من يستطيع أن يقارن الألم؟ هل يصغر الألم حين نرى جرح الاخر أعمق؟ أم أننا نتشارك الألم مع الاخرين ؟ وهل الألم له مقياس؟ هل نستخدم آلام الاخرين كعقاب اخلاقي على أنفسنا؟

    لم تنمو النبتة في غرفتي منذ عام ، قبل اسبوعين ولدت ورقة جديدة ,شعرت بسعادة كبيرة , من أجل الولادات الجديدة التي تحدث مع أوراق النباتات و الولادات التي تحدث فينا , تعلّمني النباتات كيف أربّي الأمل , وكيف يمكن في ثلاثين يوما أن نواجه الموت والولادة

    https://youtu.be/Kymx8N43JUk?si=yg3Hk7Dab-LhdFk6

  • الشخص الذي كتب أغنية “غلوريا”عرف عُمق التجربة البشرية، عرف الألم ، كان شاهداً على جدليات “غلوريا” التي فينا وتُشبهنا. 

    نصلُ إلى نقطة في حياتنا نلتقي بها مع غلوريا التي تخصنا، ربّما نلتقي بها عدّة مرّات في الحياة، ليست نفسها، انها تتشكّل وتتغيّر كما نحن ، يعتمدُ على معرفتنا وتجاربنا وتاريخنا واحياناً جيناتنا. 

    ظهرت غلوريا لتُعرّي الحُزن والانكسار ، صوتٌ عميق يقول لي : أنتِ لستِ وحدك.

    أمشي في طريقٍ مجهول على جلدي ندوب من كل الطرق التي سلكتها في حياتي.

    كما أفعل دائماً ، تركتُ الرفقاء على الطريق القديم وتوجهت إلى طريقٍ آخر لي وحدي، مألوف ،لكن لا أعرفه. نشتاقُ دائماً إلى البدايات مع أنفُسنا ، إلى الطُرق التي نمشيها وحدنا دون رفيق ودون ندوب جديدة. 

    ربّما في هذا الطريق أريد أن أعرف أكثر عن غلوريا ، وأن أسمع صوتها وأُصدّقها في كلّ مرّة تقول لي : أنتِ لست وحدك.  

    كان في الطريق القديم حُب عظيم وخذلان يوازيه بالحجم، حب كهذا يستحق حزن كبير وحِداد طويل على فقدانه  

    إلى أن أقف مرّة أخرى ، وأمشي مرّة أخرى على نفس الطريق الجديد المجهول وحدي ، مع ندوبي ، والألم ،مع الذكريات التي ستبقى ، مع غلوريا التي تظهر دائماً في النهايات. في القاع .

    نشيد المرحلة 

    Gloria – Laura Branigan

  • “يأتي الحزن كموجات، كنوبات، كإدراكات مفاجئة تُضعف الرُكب، وتعمي العيون، وتمحو تفاصيل الحياة اليومية.”

    جدّتي كانت طفلة صغيرة حين أجبرها والدها على الزواج في سن الثالثة عشر من رجل غريب يكبُرها بسنوات ، جدّتي كانت طفلة وكانت تريد أن تلعب وتصرُخ وتبكي وتذهب إلى المدرسة كلّ يوم، لكنها أصبحت زوجة وأم. في ذلك الوقت لم يكُن مُتاحاً أن تتزوج في هذا السّن فاستعاروا “بكوشان” أي بطاقة تعريف أُختها الأكبر التي ماتت وهي صغيرة ، كان أسمها عزيزة ، أصبحت جدّتي هي عزيزة وتاريخ ميلادها هو ميلاد عزيزة. عاشت جدّتي منذ ذلك الوقت دون اعتراف حقيقي بوجودها ك”نعيمة”.

    استشهد جدّي في الانتفاضة الأولى وهي في أوائل الثلاثينات ، ربّت أولادها الأربعة وعلّمتهم وحدها ، بنَت بيت العائلة من ورثة والدها “الناقصة” ومن عملها كخيّاطة ، كانت تُعلّم الفتيات الصغيرات الخياطة والتطريز ليصنعوا أثواب ويكسبن رزقهن، كانت تدعمهنّ للاستقلالية .

    كانت جدّتي تُحضّر الطعام للفدائيين في الإنتفاضة الثانية وتُخبئهم في منزلها ، كانت قويّة ولا تخاف من خطر ممكن أن يُصيبها من هذا الفعل. كانت مُقاومة وصادقة.

    فقدت جدّتي نعيمة ابنتها الوحيدة بعد مرضها في المرض “الخبيث” وهي في سن السادسة والعشرين ، كانت ابنتها هي عيناها وأرجُلها، فقدتهم.

    كانت تقول لي حين تشعُر بالقهر والحُزن العميق بأنها تكتُب خواطِر على ورقة وتحرقها ، تحرق الألم بقدّاحة كي يذوب وتعود من غير آلام مرّة أخرى.

    جدّتي ناعمة ورقيقة ، اشترت غيتار وهي في الخامسة والستون من عُمرها وبدأت تتعلم عن طريق اليوتيوب ، لديها هوايات ناعمة كانت ترسُم بألوان الزيت ، تصنع الدُمى من الصوف ، تبتكر تصميم مجوهرات مع أعمالها بالتطريز الفلسطيني.

    كانت تُحب فريد الأطرش ، كان صوته وأغانيه يُذكروها بشيء عميق غالباً لم تكن تعرف ما هو، ربّما صوت الرجال الذين فقدتهم والذين احتاجتهم في وِحدتها.

    كان حُلم جدّتي الطويل والممتد أن يعود بها الزمن وأن تُكمل تعليمها وأن تتعلّم كيف تقول لا.

    جدّتي الصادقة الوفيّة ، سأُخلّد ذكراكِ ، وأحكي قصصك ، سأحملُ أحلامك ، سأمشي بها.

    سأكون صادقة وقويّة ومُتجذّرة كما علّمتيني.

    مع السلامة يا حبيبتي ، يا شمسي ، يا رفيقتي التي ستبقى.

    الله معك

  • يأتي الألم هذه الأيام متقطّعاً،لا يتدافع.

    يأتي وأنا أضع مرطب على وجهي ،أنظر إلى نفسي بالمرآة قبل النوم ،ثم أبكي. الدموع تفعل ما يفعله مرطّب الوجه أي لم يعد له حاجة .يزورني الألم في أوقات متوقعة وأخرى غير متوقعة. أن أبكي وأنا أستحم بعد أيامٍ من التعب هذا أمر متوقّع، لكن كيف يكون بهذا الوجع؟ لماذا الدموع موجودة؟ أليست لتطّهرنا من الدّاخل ، كي تذكّرنا بالجزء الصافي منّا وتُرينا ضعفنا ؟ لماذا لم نتطهّر وما زلنا نخوض الحروب ذاتها؟ ألم يكفي بكاء سنين مرّت ، متى سينتهي؟

    لماذا لا يعتذر الغائبون عن غيباهم، عن خيانة قلوبنا ، عن الخذلان؟

     لماذا لم تحمينا الجدّات منهم؟ لماذا لم يُخبئننا في أحضانهن؟ 

    في هذهِ الليلة الألم مُضاعف ، جدتي تتألم وستودع العالم عن قريب ، لم أقصد أن تأخذ ألمي ، كنت أريدها فقط أن تحضُنني وأن تنتهي كل الآلام في العالم. أرجوكي لا ترحلي ، أرجوكي لن أقوى على فُقدان آخر. ابقي. لأجلي. لستُ مستعدة للوداع مرّة أخرة. لا ترحلي.

    يخونني جسدي ، أفقد شهيتي أغلب الأيام ، وحين أبكي أتقيأ. أحياناً أفقد قُدرتي على الرؤية وعلى المشي. 

    أستيقظ بصعوبة ، لا أريد أن أستيقظ. اعتدتُّ أن أخاف من الليل ، أصبحت أنتظره كي يأتي ولا أُريده أن ينتهي. 

    أريد العتمة ، وأن لا يراني أحد. أنا ووِحدتي المخيفة نبكي على الغياب. 

  • في النهايات نحتاجُ إلى اعتذار صادق وحُضن كبير لنشعُر بأننا كُنا شيء في يومٍ ما. ربّما نحتاج إلى تصديق بأنّنا لن نُنسى وسنظل باقيين في الذاكرة. 

    نبقى نحن وأوجاعنا ربما كلّها متراكمة ، بعد الإنفصال إما سننمو ونكبر من الألم ، وإما سنحاول أن نهرُب من أنفسنا وحقيقتنا وحقيقة من كان معنا. هذهِ المرة لم أختر الهروب. أتعلم كيف أكون مع الألم ، أبحث عن معانٍ جديدة للمفاهيم التي أستعملها.